أحمد بن محمود السيواسي

43

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

واسعة ، فأخذ من يدها فأكل بعد امتناع « 1 » ، فأخبر تعالى بقوله ( فَأَزَلَّهُمَا ) أي أذهبهما ( الشَّيْطانُ عَنْها ) أي عن الجنة ، وقريء « فأزالهما » « 2 » أي نحاهما ( فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ ) من النعيم ، وسقط عنهما ما كان عليهما من الحلل والحلي ، وعريا عن الثياب حتى بدت عورتهما ، وهربا استحياء ، فقال تعالى : أمني تهرب يا آدم : قال لا ولكن حياء من ذنبي ، فأخذا من أوراق التين وألزقا على عوراتهما ، وقال : ألم أنهكما « 3 » عن أكل هذه الشجرة ؟ فقال : بلى ولكن ما كنت أعلم أن أحدا يحلف بك كاذبا ثم أمرهما اللّه بأن ينزلا من الجنة إلى الأرض ، فنزلا فوقع آدم بأرض الهند وحواء بأرض الجد « 4 » ، وأخبر عن ذلك بقوله ( وَقُلْنَا اهْبِطُوا ) أي أنزلوا استخفافا بكم ، والمراد بالخطاب لهما ولإبليس والحية ، وقيل : لهما ولذرياتهما « 5 » ، ويدل عليه قوله تعالى في سورة طه « اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً » « 6 » ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) أي أعداء ، والجملة حال ، أي متعادين ، وفسرت العداوة بالعداوة بين المؤمنين وإبليس أو بالتي بين ذرية آدم من ظلم بعضهم بعضا بشؤم عصيان آدم ( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) أي مكان قرار على وجهها ( وَمَتاعٌ ) أي عيش وحيوة ( إِلى حِينٍ ) [ 36 ] أي إلى الموت ، فان قيل « 7 » : كيف توصل الشيطان إلى إزلالهما عن الجنة وقد قيل له أخرج منها فإنك رجيم ؟ أجيب بأنه منع دخولها على جهة الإهانة ، فلم يلزم منه وجوب الخروج ، فجاز أن يدخل فيها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 37 ] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) ( فَتَلَقَّى ) أي أخذ وحفظ ، وأصل التلقي القبول عن فهم وفطنة ( آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) وهي قوله « رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا » « 8 » الآية ، قرئ « 9 » برفع « آدم » ونصب « كلمات » مفعولا ، وبنصب « آدم » ورفع « كلمات » على معنى استقبلته كلمات من ربه واتصلت به ، يعني ألهمه بها فاعتذر وتضرع إليه باكيا طالبا منه التوبة ( فَتابَ عَلَيْهِ ) أي تجاوز اللّه عن ذنوبه ، والتوب : الرجوع في الأصل ( إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ ) أي المتجاوز عن الذنوب مرة بعد أخرى وإن كثر ( الرَّحِيمُ ) [ 37 ] أي كثير الرحمة لعباده المؤمنين . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 38 إلى 39 ] قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 39 ) وكرر أمر الهبوط بقوله ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ) لشدة عنايته تعالى بانزالهم من الجنة ، و « جميعا » نصب على الحال من ضمير الجمع ، تأكيد « 10 » للجماعة من آدم وحواء وإبليس والحية ، قيل : نزل إبليس بالأبلة والحية بأصفهان « 11 » ، ودلت الآية على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها كما قال القائل « إذا كنت في نعمة فارعها فان المعاصي تزيل النعم » « 12 » ، ثم قال ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ) أي إن يجئكم ( مِنِّي هُدىً ) أي رشد وبيان شريعة بارسال الرسل ، فقوله « فَإِمَّا » شرط مركب من « إن » و « ما » زائدة للتأكيد ، وجوابه ( فَمَنْ تَبِعَ ) أي انقاد واقتدي

--> ( 1 ) مصدر هذه الرواية التورية ، انظر تكوين ، 3 / 1 - 15 . وقال فخر الدين الرازي في تفسيره : « واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه ، لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يدخل الجنة ، ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة » . انظر مفاتيح الغيب ، 3 / 15 . ( 2 ) « فأزلهما » : قرأ حمزة بزيادة ألف بعد الزاي وتخفيف اللام ، والباقون بحذف الألف وتشديد اللام ولحمزة وقفا تحقيق الهمزة وتسهيلها . البدور الزاهرة ، 30 . ( 3 ) أنهكما ، ب م : أنهيكما ، س . ( 4 ) نقل المؤلف هذه القصة عن السمرقندي ، 1 / 111 ، 112 . ( 5 ) أخذه عن الكشاف ، 1 / 64 . ( 6 ) طه ( 20 ) ، 133 . ( 7 ) فان قيل ، س م : قيل ، ب . ( 8 ) الأعراف ( 7 ) ، 23 . ( 9 ) « فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ » : قرأ ابن كثير بنصب « آدم » ورفع « كلمات » ، والباقون برفع « آدم » ونصب « كلمات » بالكسر الظاهرة ، لأنه جمع مؤنث سالم . البدور الزاهرة ، 30 . ( 10 ) تأكيد ، س م : تأكيدا ، ب . ( 11 ) نقله عن البغوي ، 1 / 69 . ( 12 ) انظر السمرقندي 1 / 113 .